logo

أطفال نازحون يتحولون إلى عمالة "رخيصة" في مدن نزوحهم

Photo by: ahmed falah - iohr Photo by: ahmed falah - iohr

رصد المرصد العراقي لحقوق الإنسان حالات استغلال للأطفال الذين اضطروا إلى النزوح مع عائلاتهم من المدن التي سيطر عليها تنظيم "داعش" إلى المدن العراقية الأكثر أمناً، حيث دفع ضنك العيش بهؤلاء، علاوة على عدم توفير الجهات الحكومية والدولية للمأوى والطعام لهم، إلى العمل من أجل سدّ حاجات عائلاتهم الأساسية، غير أن هؤلاء الأطفال سرعان ما واجهوا استغلالاً من قبل المُشغّلين بسبب حاجتهم المُلحّة للعمل.

 

رصد المرصد العراقي لحقوق الإنسان حالات استغلال للأطفال الذين اضطروا إلى النزوح مع عائلاتهم من المدن التي سيطر عليها تنظيم "داعش" إلى المدن العراقية الأكثر أمناً، حيث دفع ضنك العيش بهؤلاء، علاوة على عدم توفير الجهات الحكومية والدولية للمأوى والطعام لهم، إلى العمل من أجل سدّ حاجات عائلاتهم الأساسية، غير أن هؤلاء الأطفال سرعان ما واجهوا استغلالاً من قبل المُشغّلين بسبب حاجتهم المُلحّة للعمل.

وفي السابع عشر من آذار/مارس 2016، نزح محمد النمراوي الذي يبلغ من العمر 14 عاماً من قضاء هيت في محافظة الأنبار إلى العاصمة بغداد. ولا تملك عائلة النمرواي المال الذي يكفي لسدّ مبالغ الإيجار أو الطعام، الأمر الذي دفعه إلى العمل في ورشة نجارة بأجر "قليل جداً".

يعمل النمراوي تسع ساعات في اليوم، وفي أحايين أخرى تصل ساعات العمل إلى 12 ساعة، ويتلقّى أجر 10 آلاف دينار عراقي، أي ما يعادل سبع دولارت أمريكية، مقابل الساعات التي يقضيها في القيام بعمله، ويرى النمراوي بقائه في العمل "َضرورياً" لحين تمكنه من العودة إلى مدينته التي نزح منها بسبب المعارك التي دارت هناك بين القوات الحكومية العراقية وتنظيم "داعش".

أخبر النمراوي "المرصد العراقي لحقوق الإنسان"، بأنه كان لا يتمنى أن يكون بهذا العمر وهو يجول بين المنازل ومحال النجارة لتركيب غرف النوم"، وقال بصوت حزين "هذه قسمتي التي دفعتني للعمل وأنا في سن صغير. كانت مساحة بيتنا 400 متر في هيت، لكننا الآن نسكن في شقة مساحتها أقل من ربع مساحة بيتنا".

وجود النمراوي ومن يشبهه عمّالاً في الورش والمحال العراقية يخالف قانون العمل العراقي الذي ينص في مادته السادسة من الفصل الثالث، على أن الحد الأدنى لسن العمل هي 15 عاماً. وبحسب اتفاقية حقوق الطفل الدولية في العام 1989، فأن كل من هم دون سن الثامنة عشر يعتبرون أطفالاً ويجب أن تكون لهم حماية ورعاية خاصة.

أزمة النزوح التي يشهدها العراق منذ كانون الأول / ديسمبر 2013 عندما بدأت المعارك العسكرية في صحراء محافظة الانبار، دفعت بعض أصحاب المعامل والمصانع اليدوية إلى تقليل الأجور اليومية للعاملين بسبب وفرة الأيدي العاملة، وهو الأمر الذي تسبب بموجة كراهية ضدّ العمالة النازحة من المناطق التي تشهد حرباً.

وأقر المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق، عمار منعم لـ"المرصد العراقي لحقوق الإنسان" بـ"وجود عمالة قدمت من مناطق النزوح أثرت على عمالة السكان الاصليين"، لكنه وصف هذا الواقع بـ"الحالة الطبيعية بسبب الظرف الأمني الذي يعيشه العراق".

والحال، لا توجد إحصائية دقيقة تمتلكها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن عمالة الأطفال النازحين في العراق، بحسب المتحدث الرسمي باسم الوزارة، إلا أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، تقول أن "أكثر من نصف مليون طفل عراقي منخرطون في سوق العمل".

وفي تقرير لها أصدرته في تموز/يوليو الماضي، قالت اليونسيف "تضاعف عدد الأطفال العاملين ليصل إلى أكثر من 575 ألفا منذ عام 1990 الذي شهد هجوم العراق على الكويت وصولاً للغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 ثم الصراع الطائفي الذي لا يزال مستمرا".

هناك أكثر من 14 حالة استغلال للأطفال في سوق العمل رصدها "المرصد العراقي لحقوق الإنسان"، بيد أن الأطفال رفضوا التحدّث عن ظروفهم في العمل خشية من فقدان وظائفهم.

ولا يختلف رعد ربيع الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، والذي نزح من قضاء بيجي في محافظة صلاح الدين إلى العاصمة بغداد، عن أقرانه النازحين من ناحية أجور العمل. يعمل الآن في محطة لغسل السيارات، ويتقاضى أجور يومية تُقدر بثلاثة دولارات أميركية.

وأخبر ربيع "المرصد العراقي لحقوق الإنسان" أنه "لا يمكن للأجور التي أحصل عليها من صاحب المحطة أن تسد اجور نقلي اليومية، لكنني أعتمد على ما أحصل عليه من إكراميات (بقشيش) من أصحاب السيارات. لا أحبذ البقاء على هذا الحال أبداً. ما زلت أنتظر اليوم الذي أعود فيه إلى بيتي ودراستي".

وتعترف عضو لجنة الطفل والمرأة في مجلس النواب العراقي ريزان الشيخ علي أن "الأطفال النازحين يعملون بأجور أقل من أجور العمال الآخرين، وهذا سببه اضطرارهم للعمل للحصول على مبالغ تكفيهم خلال فترة نزوحهم".

وتُعبر عن "أسفها لعدم امتلاك الحكومة العراقية خطة لمساعدة الأطفال النازحين، والحد من عمالة الأطفال بشكل عام"، عازية الأمر إلى "عدم وجود قانون لحماية الطفل العراقي، بسبب عدم اتفاق الكتل السياسية على إقراره".

لقد شخّص الخبير الاقتصادي ميثم لعيبي "زيادة العرض من القوى العاملة مقارنة بالطلب يقود الى زيادة المنافسة ومن ثم سحب الاجور الى الاسفل خاصة مع توفر قدر معين من حرية انتقال العمل"، وقال لعيبي "في حالة العراق فإن هذا الامر اصبح واضحا بالنسبة للمناطق التي ظهرت فيها حركة نزوح، اذ ازدادت المنافسة بين العمال العاملين في القطاع الخاص من النازحين والسكان الأصليين".

وأضاف لعيبي ردّاً على أسئلة "المرصد العراقي لحقوق الإنسان" عن حال الأجور في سوق العمل بالقول، أن "قطاع البناء والانشاءات انخفضت فيه اجرة العاملين سواء المهرة او غير المهرة، وهو ما يعود إلى قبول النازحين باجور اقل، وذلك تحت ضغط تدهور اوضاعهم المعاشية وفقدانهم مصدر دخلهم، مقابل متطلبات مادية جديدة تمثلت بضرورة دفعهم الايجارات ومستحقات السلع والخدمات الأساسية الاخرى”.

يطالب المرصد العراقي لحقوق الإنسان الحكومة العراقية ووكالات الأمم المتحدة في العراق، وبالأخص هيئة رعاية الطفولة في العراق، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) باتخاذ الخطوات اللازمة لدعم المبادرات للحد من ظاهرة عمالة الأطفال في العراق، وتطبيق القوانين المشروعة في حالات عمالة واستغلال الأطفال، وفرض العقوبات والغرامات اللازمة على المعتدين.

ويطالب المرصد الحكومة العراقية والجهات المحلية والمنظمات الدولية المستقبلة للعائلات النازحة من مناطق القتال، بالتعجيل والتسهيل من الإجراءات اللازمة، مثل توفير الوثائق المطلوبة وتسجيل الأطفال النازحين قي المدارس المحلية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.

أما في مخيمات النازحين، فالجهات الحكومية وغير الحكومية المعنية بإدارة المخيمات مطالبة بإنشاء مراكز تعليمية، إن كانت مؤقتة، للأطفال النازحين، فضلاً عن توفير الخدمات الأساسية الأخرى كالسكن والمرافق الصحية والطبية والغذائية.

يؤكد المرصد على “حق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيرا أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل، أو أن يكون ضارا بصحة الطفل أو بنموه البدني، أو العقلي، أو الروحي، أو المعنوي، أو الاجتماعي.“ ويجب علي جميع الدول الأطراف اتخاذ ”التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل تنفيذ هذه المادة،“ حسبما ورد في اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

المزيد في تقارير